الشيخ محمد رشيد رضا

376

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مهورهن نحلة أي عطاء نحلة أي فريضة لازمة عليكم وهو المروى عن قتادة ؛ وقال ابن جريج فريضة مسماة ، وقيل ديانة من النحلة بمعنى الملة . وروى ابن جرير عن ابن عباس أن النحلة المهر . وتقدم في تفسير المفردات أن النحلة تطلق على ما ينحله الانسان ويعطيه هبة عن طيب نفس بدون مقابلة عوض وهو الذي اختاره الأستاذ الامام هنا قال : الصدقات جمع صدقة بضم الدال وفيه لغات منها الصداق وهو ما يعطى للمرأة قبل الدخول عن طيب نفس وينبغي أن يلاحظ في هذا العطاء معنى أعلى من المعنى الذي لا حظه الذين يسمون أنفسهم الفقهاء من أن الصداق والمهر بمعنى العوض عن البضع والثمن له . كلا إن الصلة بين الزوجين أعلى وأشرف من الصلة بين الرجل وفرسه أو جاريته ولذلك قال « نحلة » فالذي ينبغي أن يلاحظ هو أن هذا العطاء آية من آيات المحبة وصلة القربى وتوثيق عرى المودة والرحمة وأنه واجب حتم لا تخيير فيه كما يتخير المشترى والمستأجر . وترى عرف الناس جاريا على عدم الاكتفاء بهذا العطاء بل يشفعه الزوج بالهدايا والتحف أقول : الخطاب على هذا الوجه من معنى الجملة للأزواج وفيها وجه آخر وهو أن الخطاب للأولياء الذين يزوجون النساء اليتامى وغير اليتامى يأمرهم اللّه تعالى أن يعطوهن ما يأخذونه من مهورهن من أزواجهن بالنيابة عنهن ، وكان ولى المرأة في الجاهلية يزوجها ويأخذ صداقها لنفسه دونها ، ومنهم من كان يعطى الرجل أخته على أن يعطيه أخته فلا يصيب الأختين شئ من المهر . ولا مانع من جعل الخطاب للمسلمين جملة فالزوج يأخذ منه أنه مأمور بأداء المهر وأنه لا هوادة فيه والولي يأخذ منه أنه ميس له أن يزوج موليته بغير مهر لمنفعة له ولا أن يأكل من المهر شيئا إذا هو قبضه من الزوج باسمها إلا أن تسمح هي لأحد بشئ برضاها واختيارها كما قال عز وجل : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً أي ان طابت نفوسهن باعطائكم شيئا من الصداق ولو كله بناء على أن « من » في قوله « مِنْهُ » للبيان ؛ وقيل هي للتبعيض ولا يجوز هبته كله ولا أخذه إن هي وهبته وإليه ذهب الامام الليث .